محمد متولي الشعراوي
3166
تفسير الشعراوى
تعالى أنه جعل في التكليفات مقدمات تنطبق على حالة المكلف نفسه ، فلم يقل الحق لآدم : لا تأكل من الشجرة . ولكنه قال : وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ ( من الآية 35 سورة البقرة ) لأن الحق علم أن آدم إنسان ، والإنسان من الأغيار ، وهو عندما يرى الشجرة بثمارها قد لا يقدر على نفسه ، ولذلك كان من الأفضل ألا يقرب من هذه الشجرة . وسبحانه يريد أن يحمى الإنسان ؛ لأن التكليفات التشريعية لا يرفعها الحق ، ولا يعفى المكلف من القيام بها إلا في الأمر الذي ليس للإنسان فيه اختيار ، ولذلك أراد الحق أن يحمى الإنسان من الاقتراب من تلك الشجرة حتى لا تغريه وجاء الحق بمثل هذا الأمر في الخمر فلم يقل : لا تشربوا الخمر . ولكنه قال : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ ( من الآية 90 سورة المائدة ) لأن الإنسان لو جلس في مجلس خمر ورأى السّكارى قد سعدوا وضحكوا فقد تراوده نفسه على شرب الخمر . إذن فالأمر بالاجتناب هنا أبلغ من « لا تشربوه » . ونجد أن تكليفات الحق إنما تأتى للعمل النزوعى ، ومعنى العمل النزوعى أن يتحرك الإنسان للعمل . أما بالنسبة للإدراكات فمن الجائز أن يدرك الإنسان الأمر . ويترك الحق لنا حرية حب من نشاء وكراهية من نشاء . ولكن هذا الحب لا يصح أن يصدر عنه عمل نزوعى فنجامله بالباطل . وكذلك الكراهية فليس هناك أمر بالكراهية ، ولكن إن كره إنسان إنسانا فلا يصح أن يظلمه . فالمنهىّ عنه هو الظلم ، ولذلك قال الحق : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا ( من الآية 8 سورة المائدة ) أي لا يحملنكم بغض قوم على ألا تعدلوا . إذن فالحق لم يحرم البغض لأنه مسألة عاطفية . ولكن التحريم ينحصر على الإقدام على عمل يخل بميزان العدل مع من تكره . ويجب أن يؤمن الإنسان إيمانا جازما بأن من ظلمه بمعصية ، فلا يجازيه الإنسان إلا بطاعة اللّه . وآدم أكل من الشجرة ، فهو - إذن - قد تجاوز مسألة